حسن الأمين
25
مستدركات أعيان الشيعة
أما المستشرقون فقد أفصح فران عن بعض أهدافهم بصراحة تامة ، أثناء محاولته دفع تهمة السكر عن أحمد بن ماجد ، فزعم أن قصة السكر مختلقة من أساسها ، للتجاوز عن عمل يعتبره مسلمو مكة ، الذين كان قطب الدين يعيش بينهم ، خيانة ( عظمى ) وأن المعلم العربي ، على العكس من ذلك ، وافق على أن يتولى قيادة سفينة القيادة في الأسطول البرتغالي ، لقاء وعد بمكافاة سخية ( 1 ) أي أن ابن ماجد أقدم على اجتراح تلك الكبيرة التي يعدها مسلمو مكة وجميع العرب خيانة عظمى ، عامدا معتمدا ، وهو في غاية الوعي والإدراك ، أو مع العمد وسبق الإصرار ، كما يقول رجال القانون . إن سنة 1922 ، التي توصل فيها فران إلى « اكتشافه العلمي » الهائل ، عن علاقة أحمد بن ماجد بالبرتغاليين ، من السنين التي اشتد فيها سعار الاستعمار الفرنسي في أعقاب الحرب العالمية الأولى ، فقد سبق قبل ذلك التاريخ بسنتين أن بسط الافرنسيون ظلهم الثقيل على الشام ، بقوة الحديد والنار . ولكنهم جوبهوا بمقاومة صامدة من قبل السوريين ، أجبرتهم على الاستعانة بالجواسيس والعملاء ، للعمل ضد المقاومة السورية . غير أن حاجتهم إلى العملاء والجواسيس كانت دائما أكبر مما يستطيعون تجنيده منهم ، فجاء هذا « الكشف العلمي » كأنما ليوحي للمترددين في العمل للافرنسيين خوفا من وصمة الخيانة : بان الخيانة عند العرب لا أهمية لها ، فهذا أحمد بن ماجد ، أحد الأعلام العربية الضخمة ، لم يتورع عن التعاون مع البرتغاليين رواد الاستعمار الغربي في البلاد العربية . ومع ذلك فإنه يتبوأ في التاريخ العربي منزلة سامية ، ويحظى من علماء العرب بالتبجيل والاحترام . وهذا « الكشف العلمي » ، بعد ، حيلة ماكرة . فقد قدروا أن نتبناه ، ونعتبره من ماثرنا الحضارية الباهرة ، وهو ما حصل فعلا . ثم يأتي بعد ذلك ولا بد من يقارن بينه وبين ما حققه البرتغاليون وحدهم من اجتياز للمحيط الأطلسي ، وطواف برأس الرجاء الصالح ، ووصول إلى إفريقية الشرقية . والنتيجة المحتومة لتلك المقارنة ، ستكون ، ولا شك ، في صالح البرتغاليين ، وهو ما حصل فعلا كذلك ، مع فارق بسيط ، هو أن الذي قام بتلك المقارنة ، لحسن الحظ ، يعتقد أن الربان الذي « تولى ، عمليا ، إرشاد القائد العام ( فاسكو دي گاما ) في عبور المحيط ، ربان هندي ، وضعه تحت تصرفه ملك ملندي » ( 2 ) تقول تلك المقارنة : « علينا أن نتذكر ، أن المحيط الهندي ، ومن ضمنه الساحل الإفريقي كله ، كان قد تم اكتشافه قبل قرون ، على أيدي الملاحين الهنود ، وكانت السفن الهندية ترتاد الموانئ الإفريقية ، وتعرف مدغشقر بصورة مؤكدة . . وعلى هذا فان المحيط الهندي بحر قد تم ارتياده ، وعرفت مسالكه ، وان وصول دي گاما إلى كليكوت ، كانجاز ملاحي ، لا يمكن أن يضاهي ما حققه أولئك القادة الذين كانوا أول من اجتاز سواحل الصحراء الكبرى ، وعبر خط الاستواء ، أو ما أنجزه دياز ، بوصوله إلى رأس الرجاء الصالح ( 3 ) فإذا كانت رحلة فاسكو دي گاما كلها لا تضارع ما حققه البرتغاليون قبلها ، مع ما فيها من اكتشاف الجزء من السواحل الإفريقية كان ما يزال مجهولا للعالم أجمع ، إلا لعرب السواحل الإفريقية الشرقية ، وهو ذلك الجزء الممتد من آخر نقطة وصل إليها برثلميو دياز في جنوب القارة الإفريقية إلى سفالة ؟ فما بالك ببعضها الذي يعرفه كل ملاح في المحيط الهندي ؟ . إن صاحب هذه المقارنة ، دبلوماسي ومؤرخ هندي من الملبار ، هو الأستاذ بانكيار ، الذي كان ذات يوم سفيرا للهند في القاهرة . ان له أكثر من دراسة عن البرتغاليين في المحيط الهندي . وكانت الوثائق البرتغالية في لشبونة ، عن الغزو البرتغالي للشرق ، من ضمن المصادر التي اعتمد عليها في تلك الدراسات . وهو مطلع ، ولا شك ، على مزاعم فران ، وتهمة الخيانة العظمى التي طوق بها عنق الربان الذي تولى قيادة فاسكو دي گاما إلى الهند . وبناء على تقييمه لسفرة فاسكو دي گاما ، فان دور ذلك الربان فيها قليل الأهمية ، ولا يمكن أن يحقق لبلاده شيئا من المكاسب الأدبية ، بل ربما عاد عليها بالخسران . ولذلك فقد كان المتوقع من بانيكار ، أن يحاول استغلال مزاعم فران ، لخلق جو من الشك حول هوية ذلك الربان ، كيما يدفع تلك التهمة عن أحد مواطينه ، أو يثير حولها سحابة من الغبار على الأقل ، لو أنه رأى في تلك الزاعم ذرة من الحق . ولكنه تجاهلها تجاهلا تاما ، يوحي بما لها من قلة الاعتبار في نظره . ذلك بعض ما كانوا يهدفون إليه من الترويج لتلك الخرافة . وأهدافنا أما نحن فما ذا نحقق ، حتى ولو ثبت بصورة قاطعة لا تقبل الجدل ، أن أحمد بن ماجد هو الربان الذي قاد سفينة فاسكو دي گاما إلى كليكوت ؟ لا شيء غير خفي حنين . كان المحيط الهندي على امتداده من السواحل الإفريقية الشرقية ، إلى السواحل الصينية ، بحيرة عربية منذ عشرات القرون . وقد ارتاد ملاحونا جميع سواحله وجزائره ، وخلجانه ، وخيرانه ، وكتب أحمد بن ماجد شاهدة على ذلك . وكان السفر بين السواحل الإفريقية والسواحل الهندية ، متواصلا منذ أقدم الأزمان ، يقوم به سنويا عشرات الربابنة من العرب ، وغير العرب . فلو افترضنا أن أحمد بن ماجد ، قد قاد فعلا سفينة فاسكو دي گاما ، من ملندي إلى كليكوت ، فليس في عمله ما يدعو إلى الزهو والفخر ، حتى ولو حاولنا تجريده من مدلوله السياسي ، واعتبرناه عملا ملاحيا ليس إلا . فقد سبقه إلى القيام به أعداد لا حصر لها من الربابنة على امتداد التاريخ . بينما انجازاتنا الملاحية أجل من ذلك وأعظم . وقد مر بنا حديث الملاح العربي ابن فاطمة . ودورانه حول إفريقية من الغرب إلى الشرق . وكنا نعرف طول الوقت ، امكانية العبور من المحيط الهندي إلى المياه الغربية ، فمنا عرف الجاسوس البرتغالي كوفلهام في سفالة ، أنه من الممكن الابحار بمحاذاة الساحل إلى الغرب « ( 4 ) أما لما ذا لم نستغل ذلك الطريق مع معرفتنا به ؟ فقضية أخرى . إن الإنسان لا يتنكب الجادة القصيرة المطروقة إلى جادة أخرى طويلة وعرة مهجورة ، إلا لسبب من اثنين : أما لحائل يحول بينه وبين
--> ( 1 ) دائرة المعارف الإسلامية ، الترجمة الإنكليزية ط . الأولى ، مادة شهاب الدين أحمد بن ماجد . ( 2 ) 32 . panikkra , Asia and Western Dominance , p . ( 3 ) 3 - 32 Ibid . ( 4 ) - . 33 Panikkar , Asia and Western Dominance , P ; 03 : F . C . Danvers , portuguese in India vol . l . P .